أخبار محلية

"عمرها من عمر النكبة".. هل يتم تصفية "الأونروا" لإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين؟

المصدر
بهاء علي

كأن زلزالا ضرب غزة، لا مكان فيها ظل آمنا، حتى المدارس التي وفّرتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وفرّ إليها الأهالي، ظنا منهم أنها آمنة، طالتها صواريخ الاحتلال، وجعلتها "جحيما لا يُطاق".

ويعيش اللاجئون الفلسطينيون المُنهكون بالحرب، في قطاع غزة المحاصر، بقلب عدد من المدارس التي باتت تفتقر لمُقوّمات العيش، وثمانية مخيمات معترف بها من قبل وكالة "الأونروا"، حيث تعتبر فيها الكثافة السكانية الأعلى في العالم، وهي مخيمات: الشاطئ، وجباليا، والبريج، والنصيرات، والمغازي، ودير البلح، وخان يونس ورفح.

وفي تعبيرها عن "البؤس" الذي سيطال كل لاجئ فلسطيني، إذا ما استمرت الدول في تعليق دعمها المادي للمنظمة الأممية، تقول لاجئة فلسطينية: "إننا في قلب وضع مُزري جدا، لا ماء ولا أكل ولا دواء، ولا غطاء يقينا البرد؛ فكيف في حال قطعت "الأونروا" المساعدات؟.. والله لن نستطيع التحمل، نحن فقراء جدا".

ويقول لاجئ فلسطيني، يعيش في لبنان: "لا نملك خيارا آخر للتعلم؛ أيضا إن الأونروا هي الوحيدة التي تقدم الرعاية الصحية المجانية للاجئين الفلسطينيين في لبنان"، مشيرا إلى أن "لبنان هو بلد اللجوء الوحيد الذي يمنع اللاجئين الفلسطينيين من ممارسة نحو 39 مهنة، مما يجعل المساعدات المالية الرمزية التي تقدمها لهم الأونروا مهمة جدا".

وأعلنت وكالة "الأونروا"، الأسبوع الماضي، أنها لن تكون قادرة على مواصلة عملياتها في غزة، وفي جميع أنحاء المنطقة بعد نهاية شباط/ فبراير إذا لم يُستأنف التمويل.

قرار الوكالة، أتى عقب إعلانات الدول بإيقاف دعمها للوكالة (الولايات المتحدة وكندا وأستراليا وإيطاليا وبريطانيا وفنلندا وألمانيا وهولندا وفرنسا وسويسرا واليابان والنمسا)؛ جرّاء إعلان محكمة العدل الدولية في لاهاي رفضها مطالب دولة الاحتلال الإسرائيلي بإسقاط دعوى الإبادة الجماعية في غزة، وهي التي رفعتها ضدها جنوب أفريقيا، وحكمت مؤقتا بإلزام دولة الاحتلال بتدابير لوقف الإبادة وإدخال المساعدات الإنسانية.

وكانت "عربي21" قد رصدت حجم تمويلات الدول الاثنتي عشرة التي قامت بتعليق دعمها المادي للوكالة، لتخلص إلى أن الرقم يُمكن وصفه بـ"الصادم" بالمقارنة مع إجمالي التمويلات التي قُدّمت خلال عام 2022؛ لتكون الخسارة المرتقبة هي 552 مليون دولار، من أصل 750 مليون دولار. في حال تعنّت الدول وإصرارها على عدم تمويلها للوكالة التي تُعنى بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين.

شاهدة النكبة في حرب عام 1948 المرتبطة بإنشاء دولة الاحتلال الإسرائيلي، كانت "النكبة" حيث طُرد غصبا أو نزح ما قدّر بحوالي 750,000 فلسطيني من المناطق التي تعرف الآن بدولة الاحتلال. وبعد انتهاء الحرب، رفض الاحتلال الاسرائيلي السماح لهم بالعودة إلى ديارهم.

إلى ذلك، اغتصبت دولة الاحتلال الإسرائيلي، الأراضي الفلسطينية، وعقب حرب الأيام الستة خلال عام 1967، استولى الاحتلال الاسرائيلي، على كل من الضفة الغربية وقطاع غزة. ليفرّ إثر ذلك ما يناهز 325,000 فلسطيني آخر، جُلّهم نحو الأردن، وذلك بحسب أرقام عن الأمم المتحدة.

وخلال السنوات التالية، تم تهجير ما يقدر بـ 21,000 فلسطيني، سنويا، من قلب المناطق التي باتت تسيطر عليها دولة الاحتلال الإسرائيلي. فتأسست وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" خلال عام 1949، بهدف الإشراف على برامج المساعدات للاجئين الفلسطينيين.

وبحسب الوكالة الأممية فإن "اللاجئين الفلسطينيين" هم: "الأشخاص الذين كان مكان إقامتهم المعتاد فلسطين خلال الفترة من 1 حزيران/ يونيو 1946 إلى 15 أيار/ مايو 1948، والذين فقدوا منازلهم ووسائل معيشتهم نتيجة لنزاع عام 1948". فيما يشار إلى أن أبناء وأحفاد الأشخاص الذين ينطبق عليهم هذا التعريف، بما فيهم الأطفال المتبنين، لهم حق التسجيل كـ"لاجئين".

وانطلقت "الأونروا" في العمل في عام 1950، عبر الاستجابة إلى احتياجات ما يناهز 750,000 لاجئ فلسطيني. وفي الوقت الحالي، بات هناك حوالي 5.9 مليون لاجئ فلسطيني، مؤهلون للحصول على خدمات "الأونروا"؛ بينهم أكثر من 1.5 مليون شخص، يعيشون في 58 مخيما، في كل من الأردن ولبنان وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية. ناهيك عن المتواجدين خارج المخيمات المعترف بها مثل: اليرموك، بالقرب من العاصمة السورية دمشق.

"حكم بالإعدام" فلسطينيون كُثر، منهم ما يناهز أربع مئة وتسعين ألف لاجئ فلسطيني مسجل مع "الأونروا" في لبنان، ونحو ثلاثين ألف لاجئ فلسطيني تهجروا من سوريا إلى لبنان خلال الحرب السورية وهم مسجلون أيضا مع "الأونروا"، ناهيك عن المتواجدين في الأردن، وفي البلدان المجاورة، باتوا يصفون إيقاف الدعم عن المنظمة، بـ"الحكم بالإعدام عليهم".

كذلك، يقولون إن "الأمر يرتبط باستراتيجية مُحكمة تطمح إلى إنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين"، خاصة عقب اقتراح وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بتفويض بعض الخدمات لمنظمات دولية أخرى تابعة للأمم المتحدة. حيث إن الفلسطينيون يربطون على الدوام بين "بقاء وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين وبقاء حق العودة إلى ديارهم".

بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، فإن تفاصيل الحياة توفّرها لهم الوكالة الأممية، فإن انقطع الغوث عنهم، ستنقطع الحياة، حيث إنهم يؤكدون أن: "العيادة هي الأونروا، الدواء هو الأونروا، المياه العذبة هي الأونروا، والمدرسة كذلك هي الأونروا، وأيضا اللقاح الإلزامي، فضلا عن المساعدة المالية؛ والأكثر من ذلك كله فإن الأونروا هي الشاهدة على النكبة".

وعملت "الأونروا" منذ انطلاق الحرب في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، على توفير إحداثيات منشآتها إلى كافة الأطراف المعنية، وذلك بشكل يومي من أجل تجنيبها القصف، ويكون الرد من دولة الاحتلال الإسرائيلي هو: "قد تسلمنا الإحداثيات ونفعل ما في وسعنا من أجل ذلك". لكن الأماكن الآمنة التي كانت تضمن وجودها، قُصفت.

وفي قطاع غزة، لوحدها، يوجد 183 مدرسة تديرها المنظمة الأممية، تقدم عبرها الخدمة لما يناهز 300 ألف طالب وطالبة. غير أنها بسبب "نقص التمويل" الذي كانت تعاني منه (قبل إعلان عدد من الدول تعليق الدعم المالي عنها) كانت تلك المدارس، تعمل فوق طاقتها.

من خلال طاقمها الذي يتكون من أكثر من 13.000 موظف، تعمل "الأونروا" في أكثر من 300 منشأة في مختلف أنحاء القطاع، حيث تقدم الخدمات التعليمية والصحية والصحة النفسية، وأيضا خدمات الإغاثة والخدمات الاجتماعية والقروض الصغيرة والمساعدة الطارئة للاجئين المسجلين.

وبخصوص "الطموح في تصفيتها"، كانت "القناة 12" العبرية، قد نشرت تقريرا، نقلا عن وزارة الخارجية، قالت إنه "شديد السرية"، إذ يكشف "توصيات من 3 مراحل؛ الأولى تكمن في الكشف في تقرير شامل عن تعاون مزعوم بين الأونروا وحركة حماس".

وأشار تقرير القناة الإسرائيلية، إلى أن "المرحلة الثانية، قد تشمل تقليص عمليات الأونروا في القطاع الفلسطيني، والبحث عن منظمات مختلفة من أجل تقديم خدمات التعليم والرعاية الاجتماعية للفلسطينيين في غزة"، مردفا أن "المرحلة الثالثة ستكون عبارة عن عملية نقل كل مهام وكالة الأونروا إلى الهيئة التي ستحكم غزة بعد انتهاء الحرب"، مبرزا أن "الخطة ستعرض على مجلس الوزراء الإسرائيلي في المستقبل القريب".

وكان المختص في القانون الدولي، عبد القادر العزة، قد أكد في حديثه لـ"عربي21" أن هناك من يحاول تصفية أعمال الوكالة الأممية، لكي يتم "إلحاق اللاجئين الفلسطينيين ضمن صلاحيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أو نقل مسؤوليات الأونروا إلى الدول المضيفة".

وأضاف الحاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق القانونية والسياسية للاجئين الفلسطينيين أن ذلك ضرب بعرض الحائط لـ"كل المعاهدات والقوانين الأممية التي تنص على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها عام 1948م، وعدم الاعتراف بحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره، وفقًا للشرعية المجتمعية والتاريخية لهذا الشعب".

وأشار العزة، إلى أن "محاولات تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين ليست بالأمر الجديد، غير أنه منذ أواخر عام 2015 اشتدت، وذلك بعد وصول الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى الحكم، وتصاعدت السياسات التقويضية الأمريكية لتصفية الأونروا، فموقف الإدارة الأمريكية الجديد ومصالحها ينسجم مع إسرائيل أكثر من ذي قبل"، مضيفا: "في الحقيقة، إن وكالة الأونروا تمر من أزمة وجودية أكثر منها مالية، فهي تعاني من أزمة مالية منذ تأسيسها".

وختم حديثه لـ"عربي21" بالقول: "حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الفردي وحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير المصير الجماعي لا يرتبط بوجود الأونروا فحسب، أو بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194 والقرارات الأخرى ذات الصلة، إذ لم تنشئ هذه القرارات حق العودة وتقرير المصير في الأساس، بل أكدت عليه كحق مشروع لإحقاق العدالة الدولية".

عواقب تعليق الدعم المادي

انتشر تخوّف بين كافة اللاجئين الفلسطينيين، خاصة الأهالي الغزّيين، من أن تعليق عدد من الدول، دعمها المالي، للمنظمة الأممية، سوف يؤدي لا محالة إلى تدهور مُتزايد في الوضع المعيشي، خاصة في ظل الأحداث الجارية، التي دمّر خلالها الاحتلال الإسرائيلي، كل منابع الحياة، ولم يرحم لا حجرا ولا بشرا، في انتهاك صريح للقوانين الدولية الإنسانية كافة.

وأوضح المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، فيليب لازاريني، أن "هناك نقص في إمدادات الغذاء والماء والأدوية، والطرق في غزة تغمرها مياه الصرف الصحي"، فيما وصف الوضع في القطاع بأنه "مأساة إنسانية، وجحيم على الأرض".

وأضاف لازاريني، أن "الأونروا" خفّضت بالفعل من استهلاك الوقود بشكل كبير مع تزايد ندرته، مردفا أن "المساعدات التي وفرتها بضع عشرات من الشاحنات التي وصلت إلى غزة حتى الآن، تشتت الانتباه عن المشاكل الحقيقية".

من جهته، حثّ وزير خارجية النرويج، إسبن بارث إيدي، الدول التي علّقت دعمها المادي للمنظمة الأممية، على التفكير في "العواقب الأوسع لوقف خدمات الأونروا"، مضيفا: "لا يمكننا التخلي عن الشعب الفلسطيني، وهذا هو الوقت الخطأ لتعليق تمويل الأونروا".

وفي السياق نفسه، نقلت وكالة "رويترز" عن رئيس وزراء أستراليا، أنتوني ألبانيز، قوله: "لا نريد أن يموت الناس جوعا في غزة والأونروا الوحيدة التي يمكنها تقديم الدعم هناك"، مؤكدا أن "أستراليا تدرس الاتهامات الموجهة للأونروا مع دول أخرى، وتريد "حل الأمر".

وإلى حدود يوم 30 كانون الثاني/ يناير الماضي، قرّرت 18 دولة والاتحاد الأوروبي تعليق تمويلها لـ"أونروا"، بناء على مزاعم دولة الاحتلال الإسرائيلي بمشاركة 12 من موظفي الوكالة بعملية 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، على المستوطنات الإسرائيلية.

وفي بيان له، قال مدير شؤون الأونروا في غزة ونائب منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في فلسطين المحتلة، توماس وايت: "لقد أصبحت رفح بحرا من الناس الفارين من القصف"، مضيفا: "تلقت الأونروا تقارير تفيد بأن الناس في المنطقة يطحنون علف الطيور لصنع الدقيق".

وتابع: "نواصل التنسيق مع الجيش الإسرائيلي لنتمكن من الذهاب إلى الشمال، إلا أن ذلك لم يتم السماح به إلى حد كبير، وعندما يسمح أخيرا لقوافلنا بالذهاب إلى المنطقة، يهرع الناس إلى الشاحنات للحصول على الطعام وغالبا ما يأكلونه على الفور".

تجدر الإشارة إلى أن، "الأونروا" يتم تمويلها من تبرعات طوعية تقدمها بلدان وهيئات عالمية، أبرزهم: الولايات المتحدة والمفوضية الأوروبية والمملكة المتحدة والسويد، فضلا عن بلدان الخليج والدول الإسكندنافية واليابان وكندا.

وتنفق الوكالة الأممية، الأموال، اعتمادا على برنامج محدد، إذ يتم تخصيص نسبة 54 في المئة من أجل برامج التعليم، و18 في المئة للصحة، و18 في المئة للخدمات المشتركة والخدمات التشغيلية، و10 في المئة لبرامج الإغاثة والخدمات الاجتماعية.